بعد غَزو القوّات العراقيّة للكُويت، واحتلالها صَيف عام 1990، كتب الزميل سعد البزاز كتابًا مُهمًّا كان الأول من نَوعه تحت عُنوان “حربٌ تَلد أُخرى”، تحدّث فيه عن ظُروف الحَرب، وأرّخ لحُروبٍ عراقيّةٍ أُخرى ضِد إيران وغَيرها، وتوقّع تناسخ الحُروب في هذا البلد واستمرارها، لأن قَدر العراق، بحُكم مَوقعه، ودَوره في المِنطقة، أن ينتهي من حَربٍ ليَدخلُ في أُخرى.
من المُفترض أن تكون هذهِ الأيام هي أيام الاحتفالات في كل أرجاء العراق بعد انتهاءٍ وشيكٍ لخَطر “الدولة الإسلاميّة” التي وحّدت كُل التّناقضات في العراق ودول الجِوار تحت راية مُحاربتها، ولكن يبدو أن العراقيين سَواء في شمال العراق أو وسطه أو جنوبه، لن يستطيعوا التقاط أنفاسهم بعد 14 عامًا من الحَرب سَواء ضد الاحتلال الأمريكي أو دولة “الخلافة الإسلاميّة” وتنظيم “القاعدة” بينهما.
الحَرب انتقلت الآن إلى مُعسكر الحُلفاء الذين كانوا يُقاتلون “الدولة الإسلاميّة” في جبهةٍ واحدة، وبالتّحديد حول منطقة كركوك الغنيّة بالنّفط والواقعة خارج حُدود مناطق الحُكم الذّاتي الكردي، وسَيطرت عليها قوّات البِشمرغة عام 2014، بعد هزيمة القوّات العراقيّة في المُوصل واستيلاء “الدولة الإسلاميّة” أو “داعش” عليها.
القوّات العراقيّة نَجحت في إعادة السّيطرة عليها كردٍّ على الاستفتاء الذي أصرّ على إجرائه السيد مسعود برزاني، رئيس إقليم كردستان، وكان مُقامرةً أدّت إلى نتائجٍ عكسيّةٍ تمامًا، خاصّةً بعد تَجاوزه كل الخُطوط الحُمر، وجَعل كركوك ضِمن المَناطق التي شَمِلها الاستفتاء.
حُكومة كردستان العراق كانت تُعاني من الإفلاس وهي تُصدّر نفط كركوك، وتستفيد من عوائده، فكيف سيكون حالها الآن بعد خسارتها لها، ومُواجهة حِصارٍ خانقٍ من دُول الجِوار الكُبرى وهي تركيا وإيران والعراق؟
لا نَستغرب أن تَلد الحَرب ضِد “الدولة الإسلاميّة” التي انتهت بخَسارتها لعاصمتيها في العراق (المُوصل)، وسورية (الرقّة)، حُروبًا أُخرى إحداها في كركوك وجِوارها والمعابر الحدوديّة بين كردستان وتركيا وإيران والعراق، وثانيها بين قوّات الحَشد الشعبي والقوّات الأمريكيّة في العراق التي يَزيد تِعدادها عن خمسة آلاف جندي في ظِل التوتّر المُتصاعد بين الجانبين هذهِ الأيام.
ريكس تيلرسون الذي زار بغداد “خِلسةً” قبل يومين “استفزّ” الحشد الشعبي المَدعوم من إيران وقيادته، عندما طالب بخُروج كل الميليشيات الإيرانيّة من العراق، في إشارةٍ واضحةٍ إلى الحَشد، فردَّ عليه السيد قيس الخزعلي، زعيم حركة “عصائب أهل الحق” بأن على الولايات المتحدة ووزير خارجيّتها ريكس تيلرسون الاستعداد لإخراج قوّاتها من العراق بعد انتهاء “العُذر” الذي جاءت لمُقاومته، أي “الدولة الإسلاميّة”.
إذا وَضعنا في الاعتبار التحشيد الأمريكي ضد إيران هذهِ الأيام، وعَزم الرئيس دونالد ترامب إلغاء الاتفاق النووي إذا لم يتم تَعديله، ووَقف التجارب الإيرانيّة الباليستيّة، فإنّ علينا أن لا نَستبعد حربًا بالنّيابة بين أمريكا وإيران على أرض العراق، وتهيئة المَناخات أو الحاضنات لعَودة “داعش” بطريقةٍ أو بأُخرى.
السيد محمد محمدي كلبايكاني، مدير مكتب المُرشد الإيراني الأعلى السيد علي خامنئي، قال أمس في افتتاح مجموعة مساجد أن جُهود اللواء قاسم سليماني، رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني وبتوجيهاتٍ من المُرشد “أحبط خُطط تأسيس إسرائيل ثانية في إقليم كردستان العراق”.
كلام السيد كلبايكاني ربّما يكون صحيحًا بالنّظر إلى ما يَجري على الأرض في الوَقت الرّاهن، ولكنّنا لا نَعتقد أن المُؤامرة الإسرائيليّة الأمريكيّة قد وُئِدت كُليًّا، ولا بُد من الحَذر في جميع الأحوال.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق