الثلاثاء، 19 ديسمبر 2017

عبدالباري عطوان: ماكرون يتودد للاسد ويمهد للحديث اليه وممثليه.. والثاني يشن هجوما كاسحا ضد فرنسا.. ما هو تفسير هذه المفارقة؟ ولماذا يراهن الرئيس السوري على “سوتشي” ويرفض صيغة جنيف الآن؟ وماذا قال لي زميلي العائد من حلب ودمشق قبل أيام؟

| |
 بينما كان الرئيس الفرنسي امانويل ماكرون يعترف بان الرئيس بشار الأسد كسب الحرب في سورية، وان المجتمع الدولي “سيضطر” للحديث معه، بعد هزيمة “الدولة الإسلامية” في شهر شباط (فبراير) المقبل، شن الرئيس السوري هجوما شرسا على فرنسا التي قال انها “دعمت الإرهاب والمعارضة السورية بشقيها السياسي والمسلح، ومن يدعم الإرهاب لا يحق له الحديث عن السلام”.


الرئيس الفرنسي يرفع “الرايات البيضاء” مسلما بانتصار المحور الروسي السوري الإيراني، وهزيمة المشروع الغربي الامريكي في سورية، ويمهد لفتح قنوات الحوار مع الرئيس الأسد والحكومة في دمشق، والبحث عن حصة لفرنسا وشركاتها في “كعكة” إعادة الاعمار المتوقع ان تنطلق في الأشهر المقبلة.

في المقابل يرتفع منسوب الثقة لدى الرئيس الأسد، وهذا ما يفسر هجومه الشرس على فرنسا، وطلبه للوفد المفاوض برئاسة الدكتور بشار الجعفري بالانسحاب من الجولة الثامنة من مفاوضات جنيف التي انتهت بالفشل، لان الوفد الرسمي السوري رفض الدخول في أي مفاوضات مباشرة مع وفد المعارضة، مالم يسقط البند الذي يطالب بتنحي الأسد في بيانه الذي أصدره قبل مغادرة الرياض.

الرئيس الأسد، ومثلما جاء في تصريحات ادلى بها اثناء استقباله وفدا اقتصاديا روسيا، لا يعتبر ان وفد المعارضة في جنيف ليس له أي تمثيل في أوساط الشعب السوري فقط، بل ولا يعبرون عن انفسهم في بعض الحالات، وهناك اعتقاد سائد بأن قطاعات عريضة من الشعب، داخل سورية وخارجها، يشاركونه الرأي نفسه، ويوجهون انتقادات للمعارضة السورية ربما اكثر واقوى من انتقاداته.

فرنسا والدول الغربية برئاسة الولايات المتحدة دعمت العنف والإرهاب في سورية، وعندما وصلت التفجيرات الى قلب عواصمها، بدأت تغير سياساتها، وباتت محاربة الإرهاب بالنسبة اليها أولوية.

شهر شباط (فبراير) المقبل ربما سيكون واحد من اهم الشهور في تاريخ الازمة السورية، فالرئيس ماكرون توقع ان يشهد هزيمة نهائية وحاسمة لـ”الدولة الإسلامية”، وفتح قنوات الاتصال بعدها مع الحكومة السورية، والرئيس الأسد خصوصا، وربما لم يكن من قبيل الصدفة ان تحدد القيادة الروسية هذا الشهر (شباط) لعقد مؤتمر الحوار السوري في منتجع سوتشي الذي من المتوقع ان تكون دائرة التمثيل فيه أوسع، وبحضور مختلف الوان الطيف السياسي والاجتماعي، والقبلي، والاثني، والمذهبي السوري، وسيكون هذا المؤتمر البديل “المستدام” لمنظومة مفاوضات جنيف.

زميل مصري متزوج من سورية، عاد لتوه من جولة شملت دمشق وحلب وحمص واللاذقية، التقى خلال بعض محطاتها بأخوال أبنائه، قال لي حرفيا بانه وجد حالة من الهدوء والاستقرار في معظم هذه المدن التي زارها، واكد ان الحياة كانت طبيعية، واعمال الاعمار الفردي بدأت في اكثر من مكان خاصة حلب، ومن قبل اسر عادت فعلا، او تمهد للعودة من المنفى.

الانطباعات نفسها سمعناها من أصدقاء ومعارف من سورية، معظمهم ليس له أي علاقة بالسياسة، زاروا البلاد بشكل خاطف، ويتحدثون عن عودة قريبة، وبعض هؤلاء كان معارضا شرسا للنظام في بداية الازمة.

سورية ليست دولة “طاردة” للسكان مثل بعض الدول العربية الأخرى مثل لبنان وايرلندا، وهناك ارتباط وثيق بين أهلها وتراب بلادهم، ولذلك لا نستغرب ان تشهد في الأيام المقبلة هجرة معاكسة.

الرئيس الأسد كان متحمسا للحوار السوري في منتجع سوتشي، الذي وصفه بانه يضم محاور واضحة لها علاقة بموضوع الدستور، وما يأتي بعده من انتخابات تشريعية ورئاسية حرة وشفافة، وهذا يعني بداية جديدة ومختلفة ترتكز على الديمقراطية والمحاسبة والمساواة والتعايش وحكم القانون، او هكذا نأمل.

الشعب السوري العزيز الكريم، الذي عانى من القتل والتشريد والدمار يستحق الاستقرار والعيش الآمن، والخبز الممزوج بالكرامة والحريات، ويبدو انه سينال مبتغاه في المستقبل المنظور.. والله اعلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


جميع الحقوق محفوظة لمدونة عالم الموبايل©2013-2014 فهرس الموقـع سياسة الخصوصية

تدوين باحتراف