أظهرت قِمّة إسطنبول الإسلاميّة التي انعقدت يوم أمس الأربعاء الانقسام الخليجيّ في أوضحِ صُورِه، وذلك من خلال مُستوى التّمثيل فيها، والمَواقِف السياسيّة، وكيفيّة التّعامل مع سياسة المَحاور التي تتبلور بقِوّة في مِنطقة الشرق الأوسط.
المُعسكر الذي تَزعّمته المملكة العربيّة السعوديّة وضَمّ كُل من الإمارات والبَحرين، تَمثّل في هذهِ القمّة على مُستوى مُتدنٍّ، أو بالأحرى بوزراء أقل أهميّة، وبِما لا يَتناسب مع مُستوى الحَدث، فالسعوديّة تمثّلت بوزير الدولة للشؤون الإسلاميّة والدّعوة والإرشاد صالح بن عبد العزيز بن محمد آل الشيخ، أمّا الإمارات فأوفدت الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجيّة، واكتفت البحرين بإرسال وزير دولة ليكون رئيس وَفدِها.
في المُقابل كان حُضور المُعسكر الخليجيّ المُقابل الذي يَضُم الكويت وسلطنة عُمان، ودولة قطر على مُستوى الزّعماء، فالشيخ صباح الأحمد أمير الكويت حَرصَ على حُضورِ هذهِ القمّة، وفَعل الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، الشيء نفسه، ليس لأن العلاقات بين قطر والدولة المُضيفة (تركيا) قويّة جدًّا، وإنّما لأن خُصومها المُقاطِعين لها خَفّضوا تَمثيلهم، وتَعاطوا مع القِمّة التي برز فيها التحالف التركي الإيراني في أفضلِ صُوَرِه، بِبُرودٍ شَديد.
سَلطنة عُمان التي تتبنّى مَوقِفًا أقرب إلى الحِياديّة، وإن كانت تُقيم علاقاتٍ قويّة مع إيران، وأُخرى في طَور النّمو مع تركيا، أوفدت السيد أسعد بن طارق آل سعيد، نائب رئيس الوزراء لشؤون العلاقات الدوليّة، وابن عم السلطان قابوس، وأحد أبرز المُرشّحين لخِلافته، على رأس وَفدٍ كبير ضَمّ السيد يوسف بن علوي، وزير الخارجيّة، مُوجّهةً رسالةً قويّةً تُؤكّد استقلاليّة مَوقِفها، تمامًا كما فعلت في قِمّة الكويت الخليجيّة عندما حَرصت على أن يُمثّلها السيد فهد بن محمود آل سعيد، نائب رئيس الوزراء، وهي القِمّة التي قاطعها قادة المِحور السّعودي الإماراتي البحريني.
هذا الانقسام يُضعِف مُؤسّسة مجلس التعاون الخليجي كقوّةٍ إقليميّةٍ راسخة، وربّما يُؤدّي إلى زَوالِها من المَسرح السياسي الإقليمي بشكلٍ مُتسارعٍ، لأن الشّرخ يتّسع يومًا بعد يوم، ولأن البدائل بدأت تَطُل برأسِها خاصّةً مَنظومة التّعاون العسكريّ والاقتصاديّ السعوديّ الإماراتيّ التي جاء إعلانها في تزامنٍ مع انعقاد قمّة الكويت، وحَظيت بزَخمٍ جديد في اللّقاء الذي تَمْ يوم أمس في الرياض بين وَفدٍ إماراتي برئاسة الشيخ محمد بن زايد، وعُضويّة اثنين من أبرز أشقائه، الأول الشيخ طحنون بن زايد، مستشار الأمن القومي، والشيخ منصور بن زايد، نائب رئيس مجلس الوزراء من جِهة، والعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان من جِهةٍ أُخرى، ولا نَعرف لماذا لم يَنضم العاهل البحريني إلى هذا الاجتماع، والمَنظومة الجديدة البديلة بالتّالي، وهو الذي انضم بحماسٍ لافتٍ لكل المَنظومات التحالفيّة بزعامة السعوديّة، بِدءًا بالتّحالف العربيّ في حَرب اليمن، وانتهاءً بالحِلف الرباعيّ المُقاطع لقَطر.
أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد شَعر بخيبةِ أملٍ كبيرةٍ من جرّاء عدم حُضور قادة السعوديّة والإمارات والبحرين لقِمّة الخليج التي انعقدت في الكويت أوائل الشّهر الحاليّ، مِثلما أفادت تقارير إخباريّة كويتيّة، والشيء نَفسه يُقال أيضًا عن الشعب الكويتي الذي يَلتفْ حول أميره، ويَبدو واضحًا أنّه، أي أمير الكويت، قَرّر الانضمام إلى خَيمة أرحب وأوسع، وهي الخيمة الإسلاميّة، ونَسج علاقاتِ تعاونٍ واحترام مع أكبر قوّتين إسلاميّتين حاليًّا، وهُما تركيا (السُّنيّة) وإيران (الشيعيّة)، وتحالفهِما في مُواجهة الإرهاب، وتَضامنهما مع القضيّة الفِلسطينيّة، بعيدًا عن المَحاور والتّقسيمات الطائفيّة، استئنافًا لمَوقف الكويت الدّاعم التاريخي للقضايا العربيّة والفِلسطينيّة خاصّة، وهذا ما يُفسّر قراره بفَتح سفارة للكويت في القُدس عاصمة الدولة الفِلسطينيّة، ومن المُؤكّد أن الدولتين الخليجيّتين الأُخريين، سلطنة عُمان وقطر تتّبعان النّهج نفسه بطَريقةٍ أو بأُخرى.
المِحور الثّلاثي السعودي الإماراتي البحريني يَنتهج سياسات ربّما تُؤدّي إلى عَزلِه إقليميًّا، عربيًّا وإسلاميًّا، تتمحور حول تَجنّب إغضاب الولايات المتحدة، واستعداء دولة الاحتلال الإسرائيلي، خاصّةً في ظِل الظّروف الحاليّة التي تَشهد حالة غَضبٍ في العالمين العَربيّ والإسلاميّ من جَرّاء مُساندة الولايات المتحدة للخطوات الإسرائيليّة في تَهويد القُدس وقَتل العمليّة السلميّة التفاوضيّة، بِما في ذلك مُبادرة السّلام العَربيّة.
يَصعب علينا أن نَفهم المواقف السعوديّة الإماراتيّة، وخاصّةً المُقاطعة غير المٌباشرة لقِمّة اسنطبول، فمَن المُفارقة أن القيادتين السعوديّة الإماراتيّة اللتين أقدمتا على هذهِ الخُطوة، لأسبابٍ عِدّة، أبرزها احتضان الرئيس رجب طيب أردوغان لحركة الإخوان المسلمين، أرسلتا طائِرةً خاصّةً إلى إسطنبول لإحضار السيدين محمد اليدومي، رئيس حركة الإصلاح اليمنيّة الإخوانيّة، وأمينها العام عبد الوهاب الآنسي، للتّفاوض مَعهُما للانضمام إلى التحالف العربي الذي يُقاتل حركة “أنصار الله” الحوثيّة في اليمن.
الدول الخليجيّة الثّلاث التي تَمثّلت بزُعمائِها في قِمّة إسطنبول الإسلاميّة، نَأتْ بنَفسِها عن شُبهة التّطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، أو التّعاطي بنُعومةٍ مع القَرار الأمريكي الاستفزازي، وهذا قِمّة الحِكمة في تقديرنا في هذهِ الصحيفة “رأي اليوم”، مع وَضعنا في عَين الاعتبار إدانات المِحور الخليجيّ الآخر بقوّة لقرار نَقل السفارة الأمريكيّة إلى القُدس المُحتلّة.
في المَراحِل المِفصليّة في تاريخ الأُمم لا بُد من اتخاذ قراراتٍ حاسِمةٍ تَرتقي إلى مُستوى الحَدث وأهميّته وخُطورتِه، أو هكذا نَعتقد، وكَظمْ الغَيظْ، ووَضع الثأرات جانِبًا ولو مُؤقّتًا، وهذهِ هي أول أبجديّات عِلم السياسة.. والله أعلم.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق