الأربعاء، 29 نوفمبر 2017

عبدالباري عطوان: لماذا لا نُخفي إعجابنا بكوريا الشماليّة وقائِدها كيم جونغ أون؟ وكيف نَرى في إعلانه تَحوّل بِلادِه إلى قوّةٍ نَوويّةٍ باليستيّةٍ تَحقيقًا لتوازن الرّعب مع أمريكا؟ وما هي دلالات الكَشْف عن صاروخِه الجديد الذي يُمكن أن يَصل إلى نيويورك ولوس أنجِليس؟

| |
كَتبنا أكثر من مَرّةٍ في هذا الحَيّز عن كوريا الشماليّة وتَجاربِها النوويّة الباليستيّة من مَوقع الإعجاب بقُدراتِها العَسكريّة، وإصرارها على عدم الخُنوع لأساليبِ الابتزاز الأمريكيّة، واليوم نُعيد الكَرّة مُجدّدًا، ولكن بإعجابٍ أكبر بعد إعلانِها الأربعاء، وعلى لسان الزّعيم كيم جونغ أون، أنّها باتت دولةً نوويّةً بعد تَجرِبَتها لصاروخ باليستي يُمكن أن يَضرب أي مدينة أمريكيّة دون أيِّ استثناء.


إعجابنا لا يَنطلق من حُبنا لهذا الدّولة الصغيرة مَساحةً، الواقعة تحت حِصارٍ أمريكيٍّ غربيٍّ ظالم، وإنّما أيضًا لمُعارضتنا للهَيمنة الأمريكيّة الاستفزازيّة الابتزازيّة، ونَظرتها لمُعاهدة مَنع انتشار الأسلحة النوويّة بطريقةٍ انتقائيّةٍ، وبِما يَخدم التفوّق الإسرائيلي في مِنطقتنا الشرق أوسطيّة.

الصّاروخ الباليستي الجديد “هوا سونغ 15″ العابر للقارات، يُمكن تَحميله رؤوسًا حربيّةً تقليديّةً أو نوويّة، وقال خُبراء أن مَداه يَبلُغ 13 ألف كيلومتر، أي أنه الصّاروخ الأبعد في التّرسانة النوويّة الكوريّة الشماليّة، وقادرٌ على بُلوغِ القارّة الأمريكيّة.

هذا الإعلان المُفاجِئ الذي أصاب أمريكا وحُلفاءها في شرق آسيا بالصّدمة، ونحن نتحدّث عن كوريا الجنوبيّة واليابان، يُمكن تفسيره على أنّه تحدٍّ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ورد صريح وعَملي على تَهديداتِه الجَوفاء، ومُحاولة لإحياء الحِوار مع حُكومته الأمريكيّة من مَوقعٍ أقوى في الوَقت نفسه، لأن التجارب النوويّة والباليستيّة اكتملت الآن، ويَجب اعتراف أمريكا بكوريا الشماليّة دولة نوويّة والتّفاوض مَعها على هذا الأساس، بِمَا يُؤدّي إلى رَفع الحِصار، وتَخفيف حِدّة التوتّر، وإبعاد شَبَحِ الحَرب.

ربّما يكون من السّابق لأوانِه التعرّف على ردِّ الفِعل الرّسمي الأمريكي تُجاه هذا التطوّر غير المَسبوق، بسبب فارقِ الوقت، وضخامةِ حجم الصّدمة، ولكن الأمر المُؤكّد أن كوريا الشماليّة باتت تَمْلُك رَدعًا استراتيجيًّا قويًّا، يُعزّز مَوقفها التّفاوضي في حال رَضخت إدارة ترامب، وقرّرت القُبول بمَبدأ الحِوار دون شُروطٍ مُسبقة.

يَستحق الرئيس الكوري الشمالي كل الإعجاب والاحترام خاصّةً من قِبلنا في مِنطقة الشرق الأوسط، نحن الذين اكتوينا من الغطرسة الأمريكيّة ومُؤامراتها لإذكاء نار الحُروب والفِتن في بُلداننا، دَعمًا للاحتلال الإسرائيلي العُنصري الفَاشي.

كيم جونغ أون، زعيم كوريا الشماليّة، يُقدّم للمُتخاذلين الرّاكعين العَرب عند أقدام أمريكا نَموذجًا في الصّمود والتحدّي والكَرامة، والإيمان بقُدرات الشّعوب في تَحقيق الانتصار، إذا أثبتت أنّها تَمْلُك الإرادة، وتَستحقّه.

كوريا الشماليّة هي قوّة الفُقراء العُظمى في كل أنحاء العالم، والصّخرة الصّلبة التي تكسّرت، وتتكسّر، عليها كل أساليب الاستكبار والغَطرسة والابتزاز الأمريكيّة، نَقولها من قلبٍ يَنزف ألمًا على حال أمّتنا العَربيّة، والواقع المُهين المُذلْ الذي وَصلت إليه بفَضل خُنوع حُكّامها ومُعظم شُعوبها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق


جميع الحقوق محفوظة لمدونة عالم الموبايل©2013-2014 فهرس الموقـع سياسة الخصوصية

تدوين باحتراف