حَظي الخِطاب الذّي ألقاهُ الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، الذّي كان الأول من نوعه منذ بدء الأزمة الخليجية قبل شهرين تقريبًا، باهتمامٍ واسعٍ من قبل الأوساط السياسيّة والإعلاميّة العربيّة والعالميّة، ليس لأن الأمير القطري مُقل بطبعه في إلقاء الخُطب والتّصريحات الصحافيّة، على غير عادة الزّعماء والمسؤولين العرب، وإنّما أيضًا لأن الجميع كان يتطلّع إلى ما يُمكن أن يتضمّنه من مُؤشرات تُساعد على حُدوث إنفراجٍ في الأزمة، ووقف حالة التصعيد التي تعيشها حاليًا.
ما أنعش هذه الآمال بحُدوث انفراج، أو الإقدام على بعض التراجعات، إصدار الأمير تميم قبل ثلاثة أيّام من هذا الخِطاب مرسومًا بإدخال تعديلات جديدة على قانون الإرهاب القطري، تضمّن تعريفًا للإرهاب والإرهابيين، واستحداث نظام القائمتين الوطنيتين للأفراد والكيانات الإرهابية، حتى أن السيّد أنور قرقاش، وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، كتب تغريدة على حسابه على “التويتر” رحّب فيها بهذا المرسوم ووصفه بأنّه “إيجابي”، وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، عندما اعتقد أنّه مُقدّمة لتسليم ما وصفهم بالمُواطنين الإماراتيين المُتّهمين بالإرهاب وغيرهم.
نُقطتان رئيسيتان ارتكز عليهما الخِطاب، وبدّدا حالة التفاؤل التي سادت بعد إصدار مرسوم الإرهاب، ولخّصا الموقف الرّسمي القطري تُجاه الأزمة، وشكّلا خريطةَ طريقٍ تُحدّد كيفية التّعامل معها مُستقبلًا:
الأولى: التأكيد على احترام سيادة الدّولة، ورفض أيّة وصاية عليها تحت أي ظرفٍ من الظروف.
الثانية: رفض الرّضوخ للإملاءات والشّروط والتهديدات، واعتماد الحوار كوسيلة لحل الأزمات، وبعد رفع الحصار.
وفي إطار هاتين الرّكيزتين، تضمّن الخِطاب رفضًا للتحكّم بعلاقات قطر الخارجية، وإغلاق وسائل الإعلام، في إشارة إلى قناة “الجزيرة”، والتشديد على غياب أي مفهوم حول تعريف الإرهاب ومُقاومته، مُؤكّدًا أن بلاده مُستمرّة في الحرب عليه دون هوادة، ولكن حسب مفهومها وعلى طريقتها الخاصّة.
هذا الرّفض الواضح والمُتّسم بالتّحدي من قبل الشيخ تميم لمطالب الدول الأربع، أعاد الأزمة الخليجية إلى المربّع الأوّل، وجعل أيّة مُحاولة لإحياء الوساطة الكويتية، وإعادة انطلاقتها، مُهمّة صعبة ومَحكومة بالفشل، رغم أنّ الدّول الأربع اختصرت مَطالبها الـ13، وركّزتها في ستّة مطالب أساسيّة، ولكنّها مطالب، حسب المفهوم القطري، وخطاب الشيخ تميم، تمس السّيادة.
التّفسير الأبرز لهذا التشدّد القطري ربّما يعود إلى موقف وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون إلى جانب القيادة القطرية، ورفضه للشروط الـ13، إن لم يكن مُعظمها، وخاصّة النقطة المِحورية التي استندت عليها، وهي مُحاربة الإرهاب، وعزّز هذا “الانحياز″ حسب توصيف الإعلام المُضاد لقطر، بتوقيع مُذكّرة تفاههم أمريكيّة قطريّة حول مُحاربة تمويل الإرهاب، وتكراره للمُطالبة برفع الحِصار عن قطر الذّي ألحق ضررًا بالمُواطنين القطريين، أو الجُزء المُتعلّق بإغلاق الحُدود البريّة على الأقل.
تسود حالة من الصّمت في أوساط التّحالف الرّباعي لخُصوم قطر، أي السّعودية والإمارات ومصر والبحرين، ولم يَصدر أي بيان أو تعليق رسمي حول خطاب الشيخ تميم، وهذا لا يبعث على الاطمئنان، ولا نستبعد في هذه الصحيفة “رأي اليوم”، أن هذا الصّمت ربّما يكون المرحلة التي تسبق المرحلة الثالثة من التّصعيد الاقتصادي، أو حتى العسكري، ولعلّ مُشاركة مُمثّلين على مستوى عالٍ في افتتاح أضخم قاعدة عسكرية مصرية في الشرق الأوسط، إلى جانب الرئيس عبد الفتاح السيسي، أحد المُؤشّرات في هذا الصّدد، خاصّة الجنرال الليبي خليفة حفتر، والشيخ محمد بن زايد، نائب القوّات المُسلّحة، وولي عهد أبو ظبي، والأمير خالد الفيصل، مُستشار العاهل السّعودي.
لقاء البحرين المُنتظر لوزراء خارجية الدّول الأربعة لتحديد خُطواتها في المرحلة المُقبلة بات وشيكًا في اعتقادنا، ولا نستبعد أن يأتي الرّد في بيان يُصدره في ختام أعماله، وربّما ينطوي على التّصعيد في المواقف والإجراءات تطبيقًا للشّروط، لأن احتمالات التهدئة، والتوصّل إلى تسوية باتت الأقل حظًّا.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق