الكتابة في الشأن اللبناني مُهمّة صعبة، ليس لأن الوضع اللبناني السياسي مُعقّد بحُكم الصراع والتركيبة الطائفية الفريدة من نوعها، وإنّما أيضًا لأن اللّبنانيين، أو مُعظمهم، لا يُحبّذون تناول “الآخرين” لشؤونهم، ويعتبرون هذا الأمر له خُصوصية لا يفهمها غيرهم مهما أوتوا من علمٍ وخِبرة.
هناك دائمًا من يُحاول اللّعب على وتر العُنصرية في لبنان، أو بالأحرى استخدامها كعُنصر تحريض، جنبًا إلى جنب مع نظيرتها الطائفية البغيضة، بدايةً ضد الفلسطينيين، والآن ضد الأشقاء السوريين، تحت ذرائع مُتعدّدة أبرزها مُحاولة إلحاق الخلل بالتركيبة السكانية، أو الشعور المُتنامي بأن اللاجئين، والسوريين خاصّة، باتوا يُشكّلون عِبئًا اقتصاديًا واجتماعيًا على لبنان.
الدّين اللبناني العام وصل إلى أكثر من 80 مليار دولار قبل أن تضطر ظُروف الحرب الدموية إلى نُزوح السوريين إلى دول الجوار، وربّما يُفيد التذكير بأن الغالبية العُظمى من اللاجئين السوريين أصحاب كفاءات عالية، ومِهن متنوعة، وعُقول خلاّقة مُبدعة في كافّة المجالات، ولم يهاجروا إلى بلدٍ إلا وكانوا أداة تطوير لاقتصادها، وهذا ما يُفسّر فتح السيدة أنجيلا ميركل، مستشارة ألمانيا أبواب بلادها لهؤلاء لعلاج خلل في التركيبة السكانية التي بات طابعها تضاعف نسبة المُسنين والعجزة.
أكّدت دراسة للجامعة الأمريكية نشرت قبل أيام هذه الحقيقة، عندما قالت أن النازحين السوريين أفادوا لبنان واقتصاده، بسبب سرعة تأقلمهم، والاستثمار في مشاريع عديدة، وتحريك القطاع العقاري من خلال البناء وشراء وتأجير الشقق.
يتداول اللبنانيون شريطًا انتشر بسُرعة النار في الهشيم على وسائل التواصل الاجتماعي يظهر فيه مسؤول في أحد الميليشيات اللبنانية يتهجّم بشكلٍ بشع على لاجئين سوريين بألفاظ نابية، وجاء هذا الشريط بعد مقتل لاجئين آخرين تحت التعذيب من قبل الجيش اللبناني، الأمر الذي أدّى إلى حُدوث انقسام انعكس بشكل “مرضى”، (بضم الميم)، على وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا بين مُؤيّد للمُمارسات العُنصرية هذه، ومُعارضٍ لها، الأمر الذي يُذكّر بسيناريو عام 1976 الذي تضمّن اعتداء عُنصري على حافلة تقل فلسطينيين مما أدّى إلى إشعال فتيل الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت أكثر من 16 عامًا.
اللاجيء السوري بات يُواجه مُعضلة مزدوجة، فهو متهم بالإرهاب في سورية، وبالتهمة نفسها في لبنان، وهناك من يُطالب بترحيله إلى بلاده دون الحصول على ضمانات بسلامته.
رئيس الحكومة السيد سعد الحريري لم يقل كلمة خير في حق اللاجئين السوريين، ويتزعّم المُعسكر الذي يطالب بترحيلهم، ولكن هذا الترحيل لا يُمكن أن يتم دون التنسيق مع الحكومة السورية، ومن المُفارقة المُؤلمة أنه يرفض هذا التنسيق ويُعارضه، ويشن حزبه “المستقبل” حربًا شَعواء، طائفية الطابع ضد سورية، حُكومةً ولاجئين معًا.
المؤيدون بدعم اللاجئين السوريين في مُواجهة الممارسات اللبنانية دعوا إلى مظاهرة في بيروت، والمُطالبون بطردهم دعوا إلى مظاهرة مضادة، ولو انطلقت المظاهرات لحدثت صدامات دامية، لبنان في غنىً عنها في هذا الظرف الحسّاس الذي يمر فيه والمنطقة بأسرها.
ما يَبعث على الاطمئنان أن غالبية اللبنانيين الذين اكتووا بنار الحرب الأهلية، والدمار المادّي والبشري الذي خلّفته يُدركون خُطورة هذه الفتنة ويُحذّرون من نتائجها، ويُؤكّدون أن هُناك “غُرفًا سوداء” تُمارس التحريض على وسائل التواصل الاجتماعي، وتُريد إشعال نار الحرب العرقية أو الطائفية في لبنان، وبدأت تحذيراتهم تجد أصداء إيجابية.
نحن في هذه الصحيفة “رأي اليوم” لا نتردّد في الاعتراف بأن لبنان وشعبه قدّم الكثير للأمّة العربية ثقافيًا وسياسيًا، وقدّم آلاف الشهداء من أجل القضية المركزية العربية، كما أنّه، أي لبنان، استوعب مئات الآلاف من اللاجئين السوريين والفلسطينيين قبلهم، وأكثر من طاقته وإمكانياته، بينما الدول العربية الغنيّة، والخليجية بالذّات، أغلقت أبوابها في وجههم، ولكن هذا قدر لبنان الكبير في دوره ومكانته والحد الأدنى من تسامحه، والشّعوب لا تستطيع الهُروب من أقدارها.
سورية كانت دائمًا حاضنة حنون للبنانيين، تقف في خندقهم دائمًا، وتستقبل مئات الآلاف منهم، دون أي تمنّن، ودون تمييز على أساس العرق أو الطائفة، وربّما يُفيد التذكير أيضًا بأن الشعب السوري فتح أبوابه وقبله للأخوة اللبنانيين أثناء عدوان تموز الإسرائيلي عام 2006، ولم يفتح مخيمات للاجئين اللبنانيين الباحثين عن الأمن والأمان.
نتمنّى أن تفشل هذه الفتنة الطائفية والعُنصرية التي تستهدف اللبنانيين والسوريين معًا، وأن يفشل الذين يصبّون الزّيت على نارها، وكُلّنا ثقة أن الشعب اللبناني لن ينجر إلى أزمة، أو صِدامات جديدة دموية، لأنّه يُدرك جيّدًا أن هؤلاء اللاجئين ضحايا لمُؤامرة عربية وعالمية استهدفت بلادهم مثلما استهدفت المنطقة بأسرها.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق