لعل الرئيس السوري بشار الأسد كان يفرك يديه فرحا وهو يشاهد فصول المواجهات اللفظية الساخنة، التي وقعت تحت قبة الجامعة العربية اثناء جلستها العادية التي انعقدت يوم امس (الخميس)، لمناقشة الأوضاع العربية على مستوى المندوبين، ولو كان الزعيم الليبي معمر القذافي حيا، لفعل الشيء نفسه أيضا.
لا نريد تكرار ما حدث، مثلما لا نريد نقل تفاصيل لغة الحوار المستخدمة، وهي لا تليق بمسؤولين كبار من الجانبين، وعلى الهواء مباشرة، وبين هؤلاء وزراء خارجية، ووزراء دولة من المفترض ان يكونوا قدوة تحتذى، لشعوبهم أولا، وشعوب الدول الأخرى ثانيا.
من المؤسف ان اللغة المستخدمة، التي تضمنت الفاظا مثل “مهاترات”، و”كلامك اضحوكة”، و”أسلوب رخيص”، و”اسكت”، تذكرنا بنظيراتها على مواقع التواصل الاجتماعي “فالته العيار”، التي خرجت في معظمها عن كل الأعراف والتقاليد المتبعة، وهبطت بمستوى الحوار، وتحول بعضها الى منابر “فتنة” طائفية وعرقية.
ومن المفارقة ان الدكتور إبراهيم الجعفري، وزير الخارجية العراقي، كان الأكثر حكمة وتعقلا، عندما طالب بإغلاق الموضوع ليس للهروب، وانما لتقريب وجهات النظر لانه لا يصح ان يكون الحوار على هذه الدرجة من السخونة، ولكن صوته ضاع وسط تبادل الكلمات والمبارزات الكلامية.
تعودنا، ونحن الذين نتابع لعقود اللقاءات العربية في اطار مؤسسات العمل المشترك، ان تأتي المواقف المنفعلة الغاضبة، من دول ذات ايديولوجيات “ثورية”، بينما كانت الدول الخليجية ومندوبيها، “حمامات سلام” تتبنى اللغة الهادئة، والجهود التوفيقية لتقريب وجهات النظر، وتتباهى بالعقلانية وضبط النفس والنأي بالنفس عن المهاترات، ولكن ما يحدث هذه الأيام، وبالنظر الى ما حدث يوم امس، قدم لنا صورة مناقضة وعكسية لهذا المفهوم كليا.
جادلنا في هذا المكان وغيره، بأن الجامعة العربية كانت دائما انعكاسا صادقا للأوضاع العربية، بقضها وقضيضها، فعندما كانت الامة العربية ذات رسالة تنويرية توحيدية، تتنبى القضية المركزية الأولى، وتتحشد لمحاربة الاستعمار ومؤامراته، كانت الجامعة قوية بإمنائها العامين، ومندوبي الدول الأعضاء فيها، وكانت جلساتها تستحق المتابعة والاحترام، اما الآن، وبعد ان جرى اختطافها، أي الجامعة، وتحويلها الى أداة لتبرير التدخلات العسكرية الامريكية والأوروبية، في شؤون دولنا، بهدف التفتيت والتقسيم، وانهاك الجيوش او حلها، خدمة لمصلحة إسرائيلية، كان من الطبيعي ان تفقد اهميتها واحترامها، وتتحول الى منبر لتبادل الشتائم والتوصيفات الخارجة عن الأعراف السياسية والدبلوماسية.
هذه الجامعة لم تمثل الشعوب العربية مطلقا، ولكنها حظيت بقبول البعض، ونحن من بينهم، لانها ظلت تمثل الحد الأدنى من الحد الأدنى من العمل العربي المشترك، ولكنها الآن، ونقولها بكل مرارة، لم تعد كذلك، وباتت عبئا على العروبة، وقيمها ومبادئها واخلاقها.
أنظمة على هذه الدرجة من الانهيار والضعف والتشاحن، وانعدام السيادة تستحق جامعة كهذه، ونكتفي بهذا القدر.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق