هناك عنصر رئيسي بارز ومهم في الشخصية والجينات المصرية يجب اخذه في الاعتبار قبل أي محاولة لفهم مصر وشعبها ومشاعره الوطنية، وهو كراهية هذا الشعب المتأصلة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وهي كراهية عميقة الجذور تنتصر للحق والعدالة، وتعكس قيم واخلاق الشعب المصري، الإسلامية والعربية الداعمة للقضية الفلسطينية، واذا كانت هناك استثناءات لهذه القاعدة الراسخة فهي محدودة وتتسم بالشذوذ.
عندما اعيد فتح السفارة الإسرائيلية في القاهرة في أيلول (سبتمبر) عام 2015 وسط احتفال رسمي محدود، وبحضور السفيرين الإسرائيلي (ديفيد عوفرين) والامريكي، الى جانب دوري غولد، مدير وزارة الخارجية الإسرائيلية في حينها (كان معروفا بلقاءاته مع الامير تركي الفيصل، مدير المخابرات السعودي الأسبق، واللواء أنور عشقي) وموظف في الخارجية المصرية، قوبلت هذه الخطوة باستهجان ومعارضة شرسة من النخبة السياسية المصرية والاوساط الشعبية المصرية، رغم ان التنسيق الأمني بين الحكومة المصرية ونظيرتها الإسرائيلية كان في ذروته لمواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية”، او جماعة “انصار بيت المقدس″ في شبه جزيرة سيناء.
السفير الإسرائيلي في القاهرة الذي يحمل درجة الدكتوراة في الشؤون الشرق أوسطية، ويعرف مصر جيدا، وجد نفسه معزولا، يرفض الكثيرون اللقاء به، وقبول دعواته، خاصة من قبل المسؤولين الكبار في الدولة، حتى ان صاحب قناة “الفراعين” الدكتور توفيق عكاشة تعرض للطرد من البرلمان المصري بطريقة مهينة لانه دعا هذا السفير (ديفيد غوفرين) الى حفل عشاء أقامه على شرفه في منزله، أي منزل عكاشة.
الأوساط الإسرائيلية تبرر غلق السفارة، وعدم تجديد عقود موظفيها، الى جانب عدم تجديد عقد ايجار منزل السفير في المعادي، لاسباب امنية، ولان السلطات المصرية لم تلب شروطا وطلبات إسرائيلية تكفل حماية السفارة وموظفيها، وربما تكون هذه الذريعة صحيحة، ولكن السبب الأهم في رأينا هو رفض معظم المصريين على كل المستويات اللقاء مع السفير الذي غادر القاهرة الى غير رجعة قبل سبعة اشهر.
التاريخ يسجل بأحرف بارزة اقتحام المتظاهرين المصريين الشباب للسفارة الإسرائيلية في الدور الأعلى للعمارة التي كانت تتواجد فيها في الجيزة، وقرب جامعة القاهرة، في بداية الثورة المصرية ضد حكم الرئيس حسني مبارك الفاسد في أيلول (سبتمبر) عام 2011، ونثر وثائقها ومحتوياتها في الفضاء، وتمترس العاملين فيها في احد غرفها طلبا للسلامة، واستنجاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بالرئيس باراك أوباما للتدخل لحماية ارواحهم، وتأمين خروج أمن لهم، وهذا ما حصل بعد تلكؤ مقصود من قبل المجلس العسكري المصري في حينها.
مصر الشعبية، ونخبتها السياسية الوطنية الشريفة، ستظل سدا صلبا وعاليا في مواجهة التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، حتى لو حاولت السلطات الحاكمة، بغض النظر عن هويتها العقائدية السياسية، غير ذلك ويأس الحكومة الإسرائيلية، وربما خوفها، من تفجير هذه السفارة، واغلاقها، بل واحكام اغلاقها، هو دليل إضافي يؤكد هذه الحقيقة.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق