انعقاد المؤتمر القومي الرابع عشر لحزب البعث العربي الاشتراكي في دمشق في هذه الايام بالذات التي تواجه فيه الامة العربية، وبعض عواصمها الرئيسية التي حققت التعايش، وتجاوزت الاعتبارات، او بالاحرى، المؤامرات الطائفية، والتقسيمية مؤامرة التفتيت، يشكل نقطة على درجة كبيرة من الاهمية، تؤكد ان التوجه القومي الموحد ما زال قائما، وان كان متراجعا، رغم كل محاولات التشكيك.
هناك انتقادات عديدة يمكن توجيهها الى حزب البعث وتجربته وممارساته، بشقيه الشرقي والغربي، وتحميله مسؤولية الكثير من الاخفاقات، ولكن يكفي هذا الحزب ان بوصلته، واعضاءه، كانت تتوجه دائما نحو توحيد هذه الامة، وحول القضية المركزية العربية الاولى (فلسطين)، وتعبئة كل الامكانيات والطاقات لمواجهة العدو الاسرائيلي باعتباره الخطر الحقيقي الاستراتيجي على الامة العربية وعقيدتها.
نعم ارتكبت قيادة الحزب، بشقيها القطري، والقومي اخطاء كارثية، ابرزها غياب الديمقراطية، ومحاربة الآخر، والاقدام على ممارسات دموية لقمع اي فكر واجتهاد مختلف، ولكن العيب لم يكن مطلقا في النظرية والفكر، وانما في التطبيق، واستفحال الانتهازية وسيطرة الانتهازيين على الكثير من مفاصل القيادة.
الامة العربية في حاجة ماسة، واكثر من اي وقت مضى للملمة صفوفها، وتوحيد كلمتها، والتصدي لمشاريع دموية ممولة من الخارج الاستعماري، تهدف الى تدمير هويتها، وكل ما يجمع بين اطرافها وقلبها، لمصلحة مشاريع طائفية، تفرق وتبذر بذور العداء والمواجهة، وتقسيم الدولة القطرية على اسس مذهبية وعرقية.
حل القيادة القومية لحزب البعث السوري خطوة مهمة، ولكنها تأخرت كثيرا، فهذه القيادة لم تقم مطلقا بدورها، وايا كانت الاسباب التي تتذرع بها، علاوة على كونها قد شاخت وترهلت وتكلست، واصبحت عبئا في معظمها على الفكر القومي، لاستنادها الى آليات قديمة انتهى عمرها الافتراضي.
الفكر القومي بشكل عام، وحزب البعث بشكل خاص، تعرض لحملات تشويه وتشهير غير مسبوقة، لعبت امبراطوريات اعلامية عربية ممولة بأموال النفط دورا كبيرا فيها، خاصة بعد حرب الكويت، وبلغت ذروتها في الحرب الحالية في سورية، ومن المؤسف ان رموزا قومية شاركت في عمليات التشهير والتشويه هذه لاسباب مصلحية بحتة، ولكن الآن وفي ظل اتضاح خيوط المؤامرة، التي انطلقت من العراق، وتجسدت في احتلاله وتقسيمه وسرقة ثرواته، واغراقه في الفساد، وصعود المشروع الصهيوني، وعمليات التطبيع معه، واعتماده حليفا مدافعا عن الامة، بات هذا الفكر بحاجة الى تطوير وتحديث، وانطلاقة جديدة، تعتمد على الشباب، وترتكز الى الديمقراطية والنقد الذاتي، عنوانه الاول الاعتراف بالاخطاء كخطوة رئيسية لتصحيحها وبطرق علمية تتماشى مع لغة العصر.
الامة العربية تواجه مؤامرة خطيرة اسمها الطائفية، والتصدي لها لا يتم بالكلام والشعارات وانما بالعمل الجدي، وضخ افكار جديدة، وتصعيد قيادات شابة تبتعد عن التنظير العقيم، وتتبنى العمل الميداني، والنزاهة الشخصية والفكرية، وتؤمن بالمشاركة والحوار، وتنبذ الفاشية الحزبية، وتحترم الآخر مهما كانت الخلافات معه.
ما كان يصلح عام 1947، سنة تأسيس حزب البعث، لا يمكن ان يصلح اليوم، فالعالم تطور، والاخطار تطورت، والامة تقسمت، والمراكز تفتتت، في ظل سيطرة “المال” على القرار العربي، وحرفه عن ثوابت هذه الامة المركزية، ولا بد من التطوير وضخ افكار ودماء جديدة، ومراجعة حقيقة، واقتلاع كل الاعشاب الضارة الانتهازية، كشرط اساسي للعودة الى المسار الصحيح، والطريق الاقصر نحو نهضة هذه الامة.
اي فكر قومي جديد يجب ان يرتكز على الارث الاسلامي العريق والموحد، والجامع، الارث الاسلامي الذي اكد دائما على التسامح والمساواة، نظريا وممارسة، بعيدا عن التطرف والغلو واقصاء الآخر، والتوجهات ذات الطابع العنصري والطائفي البغيض.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق